Saturday, 9 July 2016

مقالات الأهرام: من لآليء التبيان في بلاغة القرآن لا يعلم الغيب إلا الله

من لآليء التبيان في بلاغة القرآن لا يعلم الغيب إلا الله

بقلم : د. ‏ حسن اسماعيل عبدالرازق

أنوار رمضان  

42346‏السنة 126-العدد2002نوفمبر14‏9 من رمضان 1423 هـالخميس

قال تعالي
وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر‏,‏ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبه في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏,‏ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقض أجل مسمي‏,‏ ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون‏(‏ الأنعام‏60,59)‏
علم الله تعالي محيط بجميع خلقه‏,‏ فهو عالم الغيب والشهادة‏,‏ وكل غيب لايعلمه إلا هو‏,‏ وكل موجود علي سطح الأرض أو في باطنها يعلمه‏,‏ سواء أكان في ظلمات البر أو في ظلمات البحر‏,‏ ولا يخفي عليه لأنه ثابت في علمه ومكتوب في اللوح المحفوظ‏,‏ وقد روي البخاري عن رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ أنه قال‏:(‏مفاتح الغيب خمس لايعلمها إلا الله‏:(‏ إن عنده علم الساعة‏)‏ وينزل الغيث‏,‏ ويعلم ما في الأرحام‏,‏ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وماتدري نفس بأي أرض تموت‏,‏ إن الله عليم خبير‏)‏

والآيتان الكريمتان تتحدثان عن علم الله المحيط بخلقه وفيهما من اللطائف البلاغية مايلي‏:‏ ــ
‏1‏ ــ أسلوب الآيتين أسلوب خبري غرضه البلاغي هو نصح المسلمين وإرشادهم‏,‏ وتوجيههم وتعليمهم وموعظتهم بأن علم الله تعالي محيط بكل شيء‏,‏ وأنه لاتخفي عليه أعمالهم سواء أكانت صغيرة أم كبيرة ليلا أو نهارا‏,‏ وأنهم سيرجعون إليه فيخبرهم بها ويحاسبهم عليها‏.‏

‏2‏ ــ القصر بالتقديم في‏(‏ وعنده مفاتح الغيب‏)‏ أي إنها عنده لاعند غيره‏.‏ والقصر بالنفي والاستثناء في‏:(‏ لايعلمها إلا هو‏)‏ وهو قصر حقيقي‏,‏ وفي‏:(‏ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها‏)‏ وفي‏:(‏ إلا في كتاب مبين‏)‏ وآثرهنا‏:(‏ إلا في كتاب مبين‏):(‏ إلا يعلمه‏)‏ ليشمل كل ماسبق من علم ما في البر والبحر من شجر أو حب‏,‏ أو رطب أو يابس‏.‏ وجاءت تلك التأكيدات بالقصر للاشارة إلي اختصاص الله تعالي بعلم كل شيء‏,‏ وأنه لايعزب عنه شيء‏,‏ في السماوات أو في الأرض‏,‏ وحتي يترك الغيب لله تعالي حتي لاتضل العقول‏.‏
‏3‏ ــ الاستعارة المكنية في‏(‏مفاتح الغيب‏)‏ حيث صور الغيب بمخازن مغلقة مفاتيحها عند الله تعالي تجسيدا للمعني حتي يكون واضحا جليا‏,‏ والاستعارة التمثيلية في‏(‏ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه‏..)‏

فقد استعار الوفاة والبعث للحساب للنوم ليلا واليقظة نهارا‏,‏ ليقرب للناس صورة الوفاة والبعث للحساب وأن صورتها متمثلة في النوم ليلا واليقظة نهارا‏,‏ لأن النوم هو الموتة الصغري‏,‏ فقد ورد‏:(‏ والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون‏),.‏ وإنما كان البعث‏(‏ أي اليقظة بعد النوم‏),‏ ليعيش الإنسان ولينقضي الأجل الذي حدده الله تعالي‏:,‏ ثم إذا انقضي أجله يرجع إلي الله تعالي فيحاسبه علي عمله في الدنيا‏.‏
‏4‏ ــ وإنما جاء العطف‏(‏ بثم‏)‏ في قولة‏:(‏ ثم يبعثكم‏)‏ وفي قوله‏(‏ ثم إليه مرجعكم‏)‏ وفي قوله‏:(‏ ثم ينبئكم‏)‏ للإشارة إلي المدة في النوم والحياة والوقوف بين يدي الله تعالي‏,‏ وذلك لدلالة‏(‏ ثم‏)‏ علي الترتيب والتراخي‏.‏

‏5‏ ــ وفي الآيتين من البديع الطباق بين البر والبحر‏,‏ وبين الليل والنهار‏,‏ وبين‏(‏ لايعلمها‏)‏ و‏(‏يعلم‏)‏ ليزداد المعني وضوحا‏,‏ وبضدها تتميز الأشياء‏!‏




http://www.ahram.org.eg/Archive/2002/11/14/RAMA5.HTM

No comments:

Post a Comment