Sunday, 10 July 2016

مؤلفاته فى أرشيف مكتبات الكونجرس وفرنسا والمانيا

مؤلفاته فى أرشيف مكتبه الكونجرس وفرنسا والمانيا


الأستاذ الدكتور/ حسن إسماعيل عبد الرازق
ʿAbd al-Rāziq, Ḥasan Ismāʿīl

VIAF Virtual International Authority File

http://viaf.org/viaf/343631/

Library of Congress

National Library of France

German National Library

ʿAbd al-Rāziq, Ḥasan Ismāʿīl
ʿAbd-ar-Rāziq, Ḥasan I.
VIAF ID: 343631 (Personal)
Permalink: http://viaf.org/viaf/343631
ISNI: 0000 0000 8079 9254

Preferred Forms

100 1 _ ‎‡a ʻAbd al-Rāziq, Ḥasan Ismāʻīl‏
200 _ | ‎‡a ʿAbd al-Rāziq‏ ‎‡b Ḥasan Ismāʿīl‏
100 1 _ ‎‡a ʿAbd al-Rāziq, Ḥasan Ismāʿīl‏
100 1 _ ‎‡a ʿAbd-ar-Rāziq, Ḥasan I.‏ (undifferentiated)






4xx's: Alternate Name Forms (10)

400 _ | ‎‡a Ḥasan Ismāʿīl ʿAbd al-Rāziq‏
400 1 _ ‎‡a عبد الرازق, حسن إسماعيل‏
700 _ | ‎‡a عبد الرازق‏ ‎‡b حسن إسماعيل‏
400 0 _ ‎‡a عبد الرازق، حسن اسماعيل‏
400 1 _ ‎‡a عبد الرازق، حسن اسماعيل‏
400 0 _ ‎‡a عبد الرزاق، حسن اسماعيل‏
400 1 _ ‎‡a عبد الرزاق، حسن اسماعيل‏
400 0 _ ‎‡a عبدالرازق، حسن اسماعيل‏
400 1 _ ‎‡a عبدالرازق، حسن اسماعيل‏
400 0 _ ‎‡a Ḥasan Ismāʿīl ʿAbd al-Rāziq‏

Sources


al- Balāġa fī 'l-Maṯal as-sā'ir li-Ḍiyā'-ad-Dīn Ibn-*. -




al-Maʻāyīr al-balāghīyah fī "Qānūn al-balāghah", li-Ibn Ḥaydar al-Baghdādī, al-mutawaffá sanat 517H




an- Naqd al-balāġī fī kitāb "al-Maṣūn" li-Abī-Aḥmad*. -




Dalāʾil al-iʿǧāz bayn Abī Saʿīd al-Sīrāfī wa-ʿAbd al-Qāhir al-Ǧurǧānī




Khaṣāʼiṣ al-naẓm fī "Khaṣāʼis al-ʻArabīyah" li-Abī al-Fatḥ ʻUthmān ībn Jinnī al-mutawaffá sanat 392 H




Lāʼāliʻ al-tibyān fī al-maʻānī wa-al-badīʻ wa-al-bayān : alfīyah jamaʻat qawāʻid al-balāghah naẓman wa-maththalat lahā shiʻran wa-nathran




Marāḥil al-baḥth al-balāghī fī al-lughah al-ʻArabīyah




Min manābiʻ al-balāghah bayna al-Asrār wa-al-Dalāʼil



دلائل الإعجاز بين أبي سعيد السيرافي وعبد القاهر الجرجاني

publishers
Dār al-Ṭibāʻah al-Muḥammadīyah ‎(7)
دار الطباعة المحمّديّة ‎(3)
Maktabat al-Kullīyāt al-Azharīyah ‎(2)


مقالات: الكشف عن أصول دلائل الإعجاز للإمام عبدالقاهر الجرجاني



الكشف عن أصول دلائل الإعجاز للإمام عبدالقاهر الجرجاني






بسم الله الرحمن الرحيم

مُنذُ ما يقرُب من ثماني سنواتٍ صدَر لي كتابٌ بعنوان: "دلائل الإعجاز بين أبي سعيد السيرافي وعبدالقاهر الجرجاني"[1]، وقد أحدَثَ هذا الكتابُ ضجَّةً كبيرةً في أوساط البلاغيِّين والنُّقَّاد؛ لما اشتَملَ عليه من حَقائق مُثِيرة كانت غائبةً عن الأذهان، وأهمُّ هذه الحقائق هي: أنَّ نظريَّة النَّظم التي أدارَ عليها الإمام عبدالقاهر الجرجاني كتابه "دلائل الإعجاز" ليست من بَنات أفكارِه؛ وإنما هي من بناتِ أفكار أبي سعيدٍ السيرافي (المتوفَّى سنة 386هـ)، وأنَّ كتاب "دلائل الإعجاز" ليس إلاَّ شرحًا للمُناظَرة التي جَرَتْ بين أبي سعيدٍ السيرافي ومَتَّى بن يونس المنطقي في المفاضلة بين النحو والمنطق بمجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرات في (سنة 326هـ)، ونقَلَها تلميذُه أبو حيَّان التوحيدي في كتابَيْه: "الإمتاع والمؤانسة"، و"المقابسات"، كما نقَلَها ياقوت في "معجم الأدباء"، وفي تلك المناظرة ظهَرتْ بُذورُ نظريَّتي "النظم" و"البيان" اللَّتين أدارَ عليهما الإمام عبدالقاهر الجرجاني كتابه "دلائل الإعجاز"، ومن النظريَّتين تفرَّعت مسائلُ البلاغة العربيَّة، وتنوَّعت إلى عُلومها الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، ودارَتْ حولها مباحثُ البلاغيين، من شُروحٍ وتعليقاتٍ ومتون وتلخيصات إلى يومنا هذا.

وقد أيَّدتُ رأيي هذا بما يلي: 


أولاً: أنَّ الأفكار التي وردَتْ في "الدلائل" هي الأفكار نفسُها التي وردت في المناظرة. 

ثانيًا: أنَّ تلك الأفكار قد جاءت في "الدلائل" مُرتَّبةً على حسَب ترتيبها في المناظرة. 

ثالثًا: أنَّ عبدالقاهر في "الدلائل" لم يكدْ يأتي بأفكارٍ جديدةٍ لم تكن في المناظرة؛ وإنما قام الكتاب كلُّه على نظريَّة النَّظم وشرحها، وإقامة الدليل على صحَّتها بما قرَأَه في كتب النُّقَّاد السابقين. 

رابعًا: أنَّ طريقة الكتاب هي طريقة المناظرة، وليست طريقة كتاب تُعَدُّ أفكارُه وتُنظَم كالذي نجدُه في "أسرار البلاغة"؛ ولهذا فإنه يُكثِر من قوله:"فإن قلتم كذا، قلنا كذا". 

ومن الغريب حَقًّا ألا يَذكُر الإمام عبدالقاهر الجرجاني مصدرَ فِكرَتِه في"الدلائل" - وهو مُناظرة أبي سعيد السيرافي - بل إنَّه لم يُجْرِ ذِكرًا للسيرافي في "دلائل الإعجاز"، في الوقت الذي ذكَر فيه أبا عليٍّ الفارسي، وقد كان قرينَ أبي سعيد السيرافي ونظيرَه في النحو والصرف - ثلاث مرَّات في "دلائل الإعجاز"؛ وهي: 

قوله: "ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في "الإغفال"..."[2]

وقوله: "قال الشيخ أبو علي في "الشيرازيات"..."[3]

وقوله: "أنشد الشيخ أبو علي في "التذكرة"..."[4]

والأغرَبُ من هذا أنَّ عبدالقاهر قد رفَض رأيًا لأبي سعيدٍ السيرافي - وهو يُؤلِّف "الدلائل" - ولم يُشِر إليه؛ إمعانًا منه في إخفاء ذِكره، وذلك عند شرح سيبويه لقول الخنساء: 

تَرْعَى إِذَا نَسِيَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ 


فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ 

فجعَل الإقبال والإدبار مَجازًا على سَعَةٍ في الكلام؛ كقولك: نهارُكَ صائمٌ، وليلُكَ قائِمٌ؛ حيث يقول أبو سعيدٍ السيرافي - في شرحه للكتاب -: 


يقدرون مثل هذا على تقديرين: 


أحدهما: أنْ يُقدِّروا مُضافًا إلى المصدر ويحذفونه كما يحذفون في: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ [يوسف: 82]. 


والوجه الثاني: أنْ يكون المصدر في موضع اسم الفاعل، وكان الزجَّاج يَأبَى إلاَّ الوجه الأوَّل، وممَّا يُقوِّي الثاني أنَّك تقول: رجلٌ ضخمٌ وعَبْلٌ، فتجعلُهما في موضع اسم الفاعل؛ وليسا بمصدرَيْن لِضَخُمَ وعَبُلَ. 

وعلى كلام أبي سعيدٍ السيرافي: فالمجاز مجازُ حذفٍ، أو مجازٌ مرسلٌ علاقته التعلُّق بالاشتقاق[5]؛ ولكنَّ عبدالقاهر يرفُض الوجهين كليهما، وينظم البيت في سِلك ما أسماه بـ"المجاز الحكمي"، ثم يقول: "واعلم أنَّه ليس بالوجه أنْ يُعَدَّ هذا على الإطلاق بعدما حُذِفَ فيه المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه مثل قول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ [يوسف: 82]، وإن كُنَّا نراهم يَذكُرونه حيث يَذكُرون المضاف المحذوف من نحو الآية... في سبيل ما يُحذَف من اللفظ ويُراد في المعنى، وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء؛ لأنَّا إذا جعَلْنا المعنى فيه كالمعنى إذا قُلنا: فإنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ، أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيءٍ مغسولٍ، وإلى كلامٍ عامِّيٍّ مرذول"[6]

وليس هذا فحسْب، بل إنَّ عبدالقاهر قد نقَل أفكارًا عديدةً انتفع بها في"الدلائل" من شرح أبي سعيدٍ السيرافي لـ"كتاب سيبويه"، دون أنْ يذكر اسمه؛ إمعانًا منه في إخفاء ذِكره، ومن ذلك ما يلي: 

قال أبو سعيدٍ السيرافي - تعليقًا على قول سيبويه في "الكتاب": كأنهم يُقدِّمون الذي بيانه أَهَمُّ لهم، وهم ببيانه أعنى، وإنْ كانا جميعًا يهمَّانهم -: "معنى ذلك أنَّه قد يكون من أغراض الناس - في فعلٍ ما - أنْ يقع بإنسانٍ بعينهِ ولا يبالون مَن أوقعه به؛ كمثل ما يريدُه الناس من قتلِ خارجيٍّ مُفسدٍ في الأرض، ولا يُبالون مَن قتَلَه؛ فإذا قتله زيدٌ فأراد مخبرٌ أنْ يُخبر بذلك قدَّم الخارجيَّ في اللفظ؛ لأنَّ القلوب متوقَّعة لما يقع به من أجله، لا من أجلِ قتلِه، فتقول: (قتلَ الخارجيَّ زيدٌ)، وإن كان رجل ليس له بأسٌ، ولا يقدر فيه أن يَقتُلَ أحدًا؛ فَقَتَلَ رجلاً، فأراد المخبر أنْ يخبر بهذا المستبعد من القاتل، كان تقديم القاتل في اللفظ أهمَّ؛ لأنَّ الغرض أن يُعْلَمَ أنه قتل إنسانًا، فيقال: "قتلَ زيدٌ رجلاً". 

وهذا الكلامُ إنما هو على قدْر عناية المتكلم، وعلى ما يسنَحُ له وقت كلامِه، وربما فعل هذا لطلب سجعٍ، أو قافيةٍ، أو كلامٍ مُطابقٍ، ولأغراضٍ شتَّى؛ اكتفاءً بدلالة اللفظ عليه"[7]

وقد نقل عبدالقاهر الجرجاني هذا الكلام من شرح أبي سعيدٍ السيرافي إلى "دلائل الإعجاز" على هذا النحو: "واعلم أنَّا لم نجدْهم اعتمدوا فيه شيئًا يجري مَجرى الأصل (أي: في التقديم) غير العناية والاهتِمام، قال صاحب "الكتاب" - وهو يذكر الفعل والمفعول -: كأنهم يقدمون الذي بيانُه أهمُّ لهم وهم بشَأنه أعنَى، وإنْ كانا جميعًا يهمَّانهم ويعنيانهم، ولم يذكروا في ذلك مثالاً، ثم قال عبدالقاهر: وقال النحويون - وهو يقصد أبي سعيد السيرافي -: إنَّ معنى ذلك: أنَّه قد يكون من أغراض الناس - في فعلٍ ما - أنْ يقع بإنسانٍ بعينه، ولا يُبالون مَن أوقَعَه؛ كمثل ما يُعلَم من حالهم - في حال الخارجيِّ يخرج فيعيثُ ويُفسد، ويكثُر به الأذى، أنهم يريدون قتلَه، ولا يُبالون مَن كان القتلُ منه، ولا يَعنِيهم منه شيءٌ، فإذا قُتِلَ وأراد مُرِيدٌ الإخبارَ بذلك، فإنَّه يُقدِّم ذكر الخارجي؛ فيقول: "قَتل الخارجيَّ زيدٌ" ولا يقول: "قتل زيدٌ الخارجيَّ"؛ لأنَّه يعلم أنْ ليس للناس في أنْ يعلموا أنَّ القاتل له زيدٌ جدوى وفائدة، فيَعنِيهم ذكره ويهمهم ويتَّصل بمسرَّتهم، ويعلَمُ من حالهم أنَّ الذي هم مُتوقِّعون له ومُتطلِّعون إليه، متى يكون وقوع القتل بالخارجيِّ المفسد، وأنهم قد كفوا شرَّهُ وتخلَّصوا منه... ثم قالوا: - وهو يقصد أبا سعيدٍ السيرافي - فإنْ كان رجلٌ ليس له بأسٌ، ولا يقدر فيه أنْ يقتل فقتَل رجلاً، وأراد المخبر أنْ يُخبِرَ بذاك، فإنَّه يُقدِّم ذكرَ القاتل؛ فيقول: قتل زيدٌ رجلاً؛ ذاك لأنَّ الذي يَعنِيه ويَعنِي الناس من شأن هذا القتل طَرافته وموضع النُّدرة فيه، وبعدُه كان من الظنِّ، ومعلومٌ أنَّه لم يكن نادرًا وبعيدًا من حيث كان واقعًا بالذي وقع به؛ ولكن من حيث كان واقعًا من الذي وقَع منه...". 

ولا يستطيعُ عبدالقاهر أنْ يرفُض هذا الرأي، ولكنَّه يُعقِّب عليه بقوله: 

"فهذا جيِّدٌ بالغٌ، إلاَّ أنَّ الشأن في أنَّه ينبغي أنْ يعرف في كلِّ شيء قُدِّمَ في موضعٍ من الكلام مثل هذا المعنى، ويُفسر وجه العناية فيه هذا التفسير"؛ ("الدلائل" ص84). 

على أنَّ عبدالقاهر لم يلبَثْ أنْ خَطَّأ أبا سعيدٍ السيرافي في تقسيمِه التقديمَ إلى: ما كان للعناية والاهتِمام، وما كان للتوسعة على الشاعر أو الأديب؛ كي تطَّرد لهما السَّجعة والقافية - دون أنْ يَذكُر اسم أبي سعيد - مع أنَّه يردُّ عليه رأيَه ويُخطِّئه فيه، فيقول: "واعلم أنَّه من الخطأ أنْ يُقسَّم الأمرُ في تقديم الشيء وتأخيره قسمين؛ فيُجعَل مفيدًا في بعض الكلام، وغير مفيدٍ في بعضٍ، وأنْ يُعلَّل تارةً بالعناية، وأخرى بأنَّه توسعةٌ على الشاعر والكاتب؛ حتى تطَّردَ لهذا قوافيه، ولذاك سَجْعُهُ؛ ذلك لأنَّ من البعيد أنْ يكون في جملة النَّظم ما يدلُّ تارةً ولا يدلُّ أخرى، فمتى ثبَت في تقديم المفعول - مثلاً - على الفعل في كثيرٍ من الكلام أنَّه قد اختصَّ بفائدةٍ لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجَب أنْ تكون تلك قضيَّة في كلِّ شيءٍ وعلى كلِّ حالٍ، ومن سبيل مَن يجعلُ التقديم وترْك التقديمِ سواء أنْ يدَّعِي أنَّه كذلك في عُموم الأحوال، فأمَّا أنْ يجعَلَه شريجَيْن، فيزعُم أنَّه للفائدة في بعضها، وللتصرُّف في اللفظ من غير معنًى في بعض، فممَّا ينبغي أنْ يُرغَب عن القول به"؛ "الدلائل 106 - 111؛ تحقيق: محمود محمد شاكر". 

وإذا كان هذا الكلام صريحًا في أنَّ عبدالقاهر قد قصَد أبا سعيدٍ السيرافي - فإنَّ هناك من كلام أبي سعيدٍ ما يُؤكِّد هذا الذي رأيناه من أنَّ عبدالقاهر يَرُدُّ بهذا القولِ على أبي سعيدٍ السيرافي، وهو أنَّ أبا سعيدٍ كان يرى أنَّ العرَب كانت تُقدِّم وتُؤخِّر للتوسُّع في الكلام، وذلك حيث يقول: "وذلك أنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ العرب لحاجتها إلى اتِّفاق القَوافي في شِعرها، وانتظام السَّجع في خُطَبها وكَلامها، جعَلُوا الإعرابَ دالاًّ على مَعانِيها باختلاف الحركات، فقدَّموا وأخَّروا للتوسُّع في الكلام"؛ "شرح كتاب سيبويه"؛ للسيرافي (2/72). 

وهكذا تجد أنَّ عبدالقاهر قد أخَذ فكرةَ النَّظم من مناظرة أبي سعيدٍ السيرافي، واستَعان على إثباتها بما كتَبَه السيرافي نفسُه في شرحه لكتاب سيبويه، بل ناقَشَ السيرافيَّ في آراءٍ بلاغيَّة نقديَّة، قبل بعضها ورفض بعضها الآخَر، ولكنَّه لم يشأ أنْ يُفصِحَ عن اسم السيرافي، على الرغم من أنَّه قد ذكَر غيره من العُلَماء الذين عاصَرُوا السيرافي، أو سبَقُوه، أو لحقوا به؛ كسيبويه، والجاحظ، وثعلب، والأخفش، وأبي عليٍّ الفارسي، والقاضي أبي الحسن علي بن عبدالعزيز الجرجاني. 

والسرُّ في ذلك أوضح من أنْ يُذكَر، وهو أنَّ عبدالقاهر قد أراد أنْ تسلَمَ له نظريَّة النَّظم، فلا يُذكر إلاَّ بها، ولا تُذكَر إلا به، وقد كان له ما أراد، فما من بلاغيٍّ أو ناقدٍ أدبي يَذكُر النَّظمَ إلا ويَذكُر عبدالقاهر، أو يَذكُر عبدَالقاهر إلا ويَذكُر النَّظم! 

ولهذا؛ فإنَّني قد رأيت أنَّه من الإنصاف للحقيقة وللتاريخ أنْ أكتُب هذه الصفحات مُرْجِعًا الفضل إلى أهلِه، ومُبيِّنًا المنابع الحقيقيَّة التي استَقَى منها عبدالقاهر الجرجانيُّ أفكارَ كتابِه "دلائل الإعجاز"، بعد أنْ ظلَّت تلك المنابع قُرونًا عديدةً في زَوايا الإهمال، وخَبايا النِّسيان! 

وإذا ما تتبَّعنا الأفكارَ التي قامَتْ عليها مُناظرة أبي سعيدٍ السيرافي[8]، والأفكار التي قام عليها "دلائل الإعجاز"، لوجدنا أفكارَ "الدلائل" قد رُتِّبت على حسَب ترتيب أفكار المناظرة، على النحو التالي:

(1) كان أبو سعيد السيرافي يردُّ على المناطقة الذين ادَّعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى، وأنَّ عِلم النحو لا جَدوى منه، وأنَّ النحويَّ في حاجةٍ إلى المنطق دون حاجة المنطقي إلى النحو.(1) وبدأ عبدالقاهر في "الدلائل" يَرُدُّ على مَن زَهَّد في النحو من المعتزلة الذين حاوَلُوا تفسير القُرآن وتأويله، مع ادِّعائهم أنَّ المزيَّة في الفصاحة ترجعُ إلى اللفظ لا إلى المعنى.
(2) صحيحُ الكلام من سقيمه يُعرَف بالنَّظم المألوف، والإعراب المعروف؛ فهو كالميزان.(2) صحيحُ الكلام من سقيمه يُعرَف بالإعراب، فهو كالمعيار.
(3) المناطقة محتاجون إلى اللغة، المكوَّنة من الاسم، والفعل، والحرف.(3) المدخل إلى "دلائل الإعجاز" هو: أنَّ الكلام ينقسمُ إلى اسم، وفعل، وحرف.
(4) وهم محتاجون إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غَرائز أهلها.(4) عمليةُ النظم تتمُّ بانتِقاء الألفاظ، ثم ترتيبها في النُّطق على حسَب ترتيبها في النفس.
(5) وقد ظنُّوا أنَّ المعاني لا تُعْرَفُ إلا عن طريق المنطق، مع أنَّ معاني النحو منقسِمة بين حركات اللفظ وسَكناته، وبين وضع الحروف في مَواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخِّي الصواب في ذلك، وتجنُّب الخطأ من ذلك.(5) وقد عرَّف عبدالقاهر الجرجاني النَّظم الذي أدارَ عليه كتابه "دلائل الإعجاز" بأنَّه توخِّي مَعانِي النحو فيما بين الكلم على حسَب الأغراض التي يُسَاقُ لها الكلام، وكرَّره أكثر من خمسين مرَّة.
(6) تشبيه النظم بالنسج؛ ففيه تخيُّر وإعمال فِكر؛ إذ الكلام كالثوب، والنظم كالنسج، والمعاني كالسدى، والألفاظ كاللحمة، ورقَّة اللفظ كرقَّة سلكه، وغلظه ككثافة غَزله، وبلاغته كقصارته.(6) معاني النحو كالأصباغ التي تُعمل منها الصور والنُّقوش في الثوب، بالتخيُّر والتدبُّر فيها، وفي مَواقِعها ومَقاديرها، وكيفيَّة مزجِه لها.
(7) نظريَّة البَيان عند أبي سعيدٍ السيرافي هي - في عبارةٍ مختصرةٍ -: "حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق".(7) نظريَّة البيان عند عبدالقاهر - في عبارةٍ مختصرة -: "المعنى، ومعنى المعنى".
(8) قال أبو سعيدٍ السيرافي لمتَّى بن يونس:
"أتراك بقوَّة المنطق وبرهانه قد اعتقدت أنَّ الله ثالث ثلاثة؟!"؛ أي: إنَّ المنطق لم يحمِكَ من أنْ تعتقد أنَّ الله ثالث ثلاثة.
(8) قدْ تَزِلُّ قدمُ المفسِّر للقُرآن الكريم - إذا لم يكن على درايةٍ بعلم النحو - لأنَّ من الآيات ما يحتملُ أكثر من تأويلٍ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: 171].


هذا، وبقيَّة الدلائل تطبيقٌ لنظريَّة النَّظم، وتأكيدٌ على صحَّتها بالأدلَّة تِلْوَ الأخرى. 

وعلى أيَّة حال، فقد أراد عبدالقاهر أنْ يَرُدَّ على المعتزِلة الذين يُزهِّدون في علم النحو، بل في الشعر، ويعتمدون في تفسيرهم وتأويلهم لكتاب الله تعالى على العقل واللغة، ومعرفةٍ قليلةٍ بصحَّة الكلام وسلامته من اللحن، فقصَد كتاب "الإمتاع والمؤانسة"؛ لأبي حيان التوحيدي؛ ليطَّلع فيه على مناظرة أبي سعيد السيرافي التي ردَّ فيها على متَّى بن يونس المنطقي الذي كان يرفَعُ من شأن المنطق ويحقرُ من شأن النحو، والتي أفحَم فيها متَّى بنَ يونس، وبَيَّن له أنَّ اتِّباعه للمنطق قد أضلَّه ولم يحمِه من أنْ يعتقدَ أنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ؛ ومعنى ذلك: أنَّه لو عرف أسرار النَّظم في اللغة العربيَّة لتبيَّنت له دلائلُ الإعجاز في القُرآن الكريم، ولآمَن برسالة محمدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلم يعتقدْ أنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ؛ فجعل عبدالقاهر عنوان رَدِّه على المعتزلة: "دلائل الإعجاز"؛ ليبيِّن لهم هو الآخَر أنَّ إعراضهم عن النحو والشعر إعراضٌ عن الجهة التي منها تأتي دلائلُ الإعجاز، وفي ذلك ما فيه من خطرٍ على دِينهم؛ لأنهم يكونون في معنى الصادِّ عن سبيل الله! 

وليبيِّن لهم - أيضًا - أنَّ تفسيرَهم للقُرآن الكريم بعيدًا عن وحْي معاني النحو فيما بين الكلم - قد يُؤدِّي بالمفسِّر منهم إلى أنْ تزلَّ قدَمُه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ﴾ [النساء: 171]؛ لأنهم قدَّروا المعنى: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة! وفي ذلك ما فيه من شبه إثبات الآلهة - والعياذ بالله[9]

ولهذا؛ فإنَّه - في خطبة "الدلائل" - قد استَعاذ بالله تعالى من قولٍ يرفُضه أبو سعيدٍ السيرافي، ومن صَنِيعٍ دأب عليه متَّى بن يونس، فقد شبَّه أبو سعيدٍ القول بالثوب، وقال: إنَّ سُدَاته لا تَكفِي دون لحمته، ولحمته لا تكفي دُون سُداته، ووصف صَنِيع متَّى بن يونس - في مجادلته بالباطل - بأنَّه تمويهٌ، قائلاً: "ولقد موَّهت بهذا المثال، ولكُمْ عادة بمثل هذا التَّموِيه"، فقال عبدالقاهر - مستعيذًا بالله تعالى من هذين الأمرين -: "ونعوذُ بالله من أن ندَّعي العلم بشيءٍ لا نعلَمُه، وأنْ نُسَدِّي قولاً لا نلحمه.. وأنْ يكون سبيلنا سبيل من يعجبه أنْ يُجادِل بالباطل، ويُمَوِّهَ على السامع". 
ولأنَّه قد تتبَّع أفكار المناظرة فكرةً بعد الأخرى؛ ليشرحها ويرد بها على المعتزلة، فإنَّه لم يجعَلْ طريقته في "دلائل الإعجاز" طريقةَ كتابٍ تُعَدُّ أفكارُه وتُنظَم، وإنما جاء به على طريقة المناظرة، وهذا هو السرُّ في أنَّه يقول - في أوائل "الدلائل" -: "وليس يتأتَّى لي أنْ أُعْلِمك من أوَّل الأمر - في ذلك - آخِرَه، وأنْ أُسمِّي لك الفصول التي في نيَّتي أنْ أُحرِّرها بمشيئة الله - عزَّ وجلَّ - حتى تكون على علمٍ بها قبل مَوْردِها عليك، فاعمل على أنَّ هاهنا فُصولاً يجيءُ بعضها في إثْر بعض"[10].
وبعدُ، فلعلِّي بهذا أكونُ قد أرجَعتُ الفضلَ إلى أهله، وأزَحتُ السِّتار عن حقيقةٍ غابَتْ عن الأذهان قُرونًا عديدةً، فالحمد لله الذي هَدانا لهذا، وما كُنَّا لنهتَدِي لولا أنْ هدانا الله.
[1] دار الطباعة المحمدية بالقاهرة، برقم إيداع بدار الكتب المصرية (4056/1991م).


[2] "الدلائل" (204).


[3] "الدلائل" (328).


[4] "الدلائل" (373، 374).


[5] "تاريخ علوم البلاغة"؛ للمراغي (54، 55)، و"الكتاب"؛ لسيبويه (1/169).


[6] "دلائل الإعجاز"؛ تعليق: السيد محمد رشيد رضا (223، 234، 235).


[7] "شرح كتاب سيبويه"؛ للسيرافي (2/274).


[8] راجع مناظرة أبي سعيد السيرافي في كتاب "الإمتاع والمؤانسة"؛ لأبي حيان التوحيدي؛ تحقيق: الأستاذ أحمد أمين (1/107 - 128).


[9] "دلائل الإعجاز" (383)؛ تعليق: محمود محمد شاكر.


[10] "دلائل الإعجاز" (42).


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/36015/#ixzz4DzM4nfZy

http://www.alukah.net/literature_language/0/36015/

مقالات: تصحيح الصورة المشوهة للإسلام


تصحيح الصورة المشوهة للإسلام

لا يختلف اثنان على أنَّ الإسلام قد شُوِّهت صورتُه في عيون الغرب؛ فالإسلام في نظَرِهم دينٌ أرضيٌّ - لا سماويٌّ - أسَّسَهُ محمدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من أساطير الأوَّلين التي اكتَتَبها، وادَّعى أنَّه مُرسَلٌ به من الله تعالى، وأنَّه يُكْرِه أتباعَه على اعتناقه، ويتعصَّب له مُدافعًا عنه بما يُسمِّيه أعداؤه بالحرب المقدَّسة التي تسعى إلى الإبادة، وأنَّه دِينٌ جامدٌ يُبقِي أتباعَه في عصرٍ وسيطٍ بائدٍ، ويجعَلُهم غير آهِلين للتكيُّف مع مُنجَزات العصر الحديث!
فالمسلم - في نظَرِهم - إرهابيٌّ يجبُ مُلاحَقته، والمسلمون إرهابيُّون يجبُ إبادتهم؛ لخطَرِهم على البشريَّة، وإلا لما تحالَفتْ دُوَلُ الغرب على دُوَلِ الإسلام لكسْر شوكتها واحدةً تِلْوَ الأخرى!
وفي السُّطور التالية يردُّ الطبيبُ الفرنسي موريس بوكاي، المعنيُّ بمقارنة ما جاء في الكتب المقدَّسة بمعطيات العِلم الحديث على تلك الدَّعاوى الباطلة، مُصحِّحًا تلك الصُّورة المشوَّهة عن الإسلام برُوحٍ مُتحرِّرة، وبموضوعيَّةٍ تامَّة، مُعترفًا بأنَّه كان جاهِلاً قبل أنْ تُعطَى له صورةٌ عن الإسلام تختلفُ تمامًا عن تلك التي تلقَّاها في الغرْب؛ وهي أنَّ الغالبيَّة العُظمَى لم تكن تتحدَّث عن المسلمين، وإنما عن المحمَّديين؛ لتأكيد الإشارة إلى أنَّ المعنيَّ به: دينٌ أسَّسَهُ رجلٌ؛ ومن ثَمَّ فهو دِينٌ عديم القِيمة تمامًا أمامَ الله!
وكان ردُّهُ بما جاء في وثيقة مجمع أساقفة الفاتيكان من "أنَّ المسلمين الذين يُؤمنون بإبراهيم يَعبُدون معنا إلَهًا واحدًا، و"جبرية الإسلام" - وهو حُكم مُسبَقٌ واسع الانتشار - تدرسه الوثيقة مستعينةً بذِكر آياتٍ من القُرآن الكريم يجهَلُها الغربيُّون؛ كقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ [البقرة: 256]، وكقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].
كما تردُّ الوثيقة الفِكرةَ الشائعة عن تعصُّب الإسلام بأنَّ ما يُتَرجِمه الغربيون خطأً بالحرب المقدَّسة يُقال باللغة العربيَّة: "الجهاد في سبيل الله"؛ أي: بذْل الجهد لنشْر الإسلام والذود عنه من المعتَدِين عليه؛ فالجهاد يَسعَى إلى أنْ يمدَّ حُقوق الله وحُقوقَ الناس إلى مَناطِق جديدة.
ثم يذكُر أنَّه ليس هناك إدانةٌ للعِلم في أيِّ كتابٍ مُقدَّس من كتب أديان التوحيد، على أنَّ العُلَماء قد لاقوا مَصاعِبَ عديدة من السُّلطات الدِّينيَّة لبعض الأديان، أمَّا في الإسلام فقد كان الموقف إزاءَ العِلم مختلفًا؛ فليس هناك أوضح من الحديث الشريف: ((طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ)).
ثم يُردِفُ ذلك بقوله: وعلينا أنْ نتذكَّر أنَّه في عصر عظَمَة الإسلام أُنجِزت كَميَّةٌ هائلة من الأبحاث والمُكتَشفات بالجامعات الإسلاميَّة؛ ففي قُرطبة كانت مكتبةُ الخليفة تحتوي على أربعمائة ألف مجلدٍ، وكان ابنُ رشد يعلم بها.
وبها - أيضًا - كان يتمُّ تَناقُلُ العِلم اليوناني والهندي والفارسي؛ ولهذا السبب كان الكثيرون يُسافِرون من مختلف بلاد أوروبا للدِّراسة بقُرطبة، مثلما يحدُث في عصرنا أنْ نسافر إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة؛ لتَحسِين وتَكمِيل بعض الدِّراسات.
ثم يقول: ولَكَمْ نحن مَدِينون للثَّقافة العربيَّة في الرياضيَّات؛ "فالجبر عربيٌّ"، وعلومُ الفلك والفيزياء والجيولوجيا، والنباتات والطب "لابن سينا"... إلى غير ذلك، ولقد اتَّخذ العِلم لأوَّل مرَّة صفةً عالميَّةً في جامعات العصر الوسيط الإسلاميَّة، وكان الناس أكثرَ تأثُّرًا بالرُّوح الدينيَّة ممَّا هم عليه في عَصرنا، ولكنَّ ذلك لم يمنعهم من أنْ يكونوا في آنٍ واحدٍ مؤمنين وعُلَماء؛ كان العلم تَوْءَمًا للدين!

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/35824/#ixzz4DzKz8fgV

http://www.alukah.net/world_muslims/0/35824/

خصائص النظم في "خصائص العربية" لأبي الفتح عثمان بن جني






خصائص النظم في "خصائص العربية" لأبي الفتح عثمان بن جني
المتوفى سنة 392 هـ

يعد كتاب "الخصائص" أو "خصائص العربية" لأبي الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة 392 هـ من المصادر الهامة للغة العربية، فكما أنه محل اهتمام النحويين واللغويين فإنه يجب أن يكون موضع اهتمام البلاغيين والمتأدبين.

فهذا الكتاب يعد معينًا لا ينصب من خصائص النظم أو القيم البلاغية التي أفصح عنها "ابن جني" والتي يمكن أن يفصح عنها أولو الألباب من البلاغيين؛ من خلال مناقشاته المفيدة لأساليب الفصحى من خلال أشعار القدماء والمحدثين ومن خلال أقوالهم المأثورة لاستنباط العلل النحوية أو التصريفية أو لإقامة الدليل على صحة القضايا اللغوية أو النحوية أو النقدية أو التعبيرية.

فهو إذن كتاب يخاطب كل إنسان بما اعتاده وألفه من حجج كلامية أو فقهية أو فلسفية أو نحوية أو بلاغية.




رابط الموضوع: http://www.alukah.net/library/0/61638/#ixzz4DzJhpyzu



http://www.alukah.net/Books/Files/Book_4010/BookFile/ghsaes-elnazem.pdf

مقالات الأهرام: من لآليء التبيان يوم بدر

من لآليء التبيانيوم بدر

بقلم : د‏.‏ حسن اسماعيل عبدالرازق
استاذ بكلية اللغة العربية جامعة الازهر


أنوار رمضان

42353‏السنة 126-العدد2002نوفمبر21‏16 من رمضان 1423 هـالخميس

قال تعالي ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون‏,‏ إذ تقول للمؤمنين‏,‏ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟‏!‏ بلي إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين‏,‏ وما جعله الله إلا بشري لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم‏.‏ أمر الله تعالي المؤمنين بالتوكل والاعتماد عليه‏,‏ لأنه هو وليهم وناصرهم‏,‏ فقد نصرهم علي المشركين في غزوة بدر مع ذلتهم وقلة عددهم‏,‏ فقد كانوا ثلاثمائة رجل‏,‏ ولم يكن معهم إلا فرس واحد وكان عدوهم في حال كثرة‏,‏ فقد كانوا زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس‏.‏ و‏(‏بدر‏)‏ اسم بئر كان لرجل يسمي بدرا فسمي به‏,‏ وفي الآيات الكريمة امتنان من الله تعالي علي المؤمنين بهذا النصر المبين‏,‏ وأمرهم بالثبات علي تقوي الله تعالي حتي يواليهم بنصره وفيها من اللطائف البلاغية مايلي‏:‏ ـ أسلوب الآيات الكريمة أسلوب خبري غرضه البلاغي هو الامتنان من الله تعالي بنصره للمسلمين يوم بدر‏,‏ وقد تضمن أموالهم بالثبات علي التقوي‏,‏ وبشري لهم بالنصر المبين ووعدا بإمدادهم بالملائكة مسومين‏.‏ التأكيد بلام القسم‏,‏ وقد أفادت تحقيق
النصر والتعبير بالماضي لتحققه‏,‏ وجاءت جملة الحال‏:(‏ وأنتم أذلة لتؤكد أن هذا النصر كان من عند الله ولم يكن لكثرة العدد أو زيادة العدة لأنهم كانوا ضعافا‏,‏ قليلي المال والرجال والسلاح‏,‏ ولهذا جاء قوله‏(‏ أذلة علي وزن القلة لاعلي وزن الكثرة‏.‏ المجاز المرسل في قوله تعالي‏:‏لعلكم تشكرون لأن المعني‏:‏ لعلكم ينعم الله عليكم بنعمة أخري تشكرونها فوضع الشكر موضع الإنعام‏,‏ لأنه سبب له‏,‏ فالعلاقة هي السببية‏.‏ والاستعارة في قوله‏:(‏ ويأتوكم من فورهم‏)‏ والفور‏:‏ مصدر من‏(‏ فارت النار إذا غلت‏,‏ استعير للسرعة ثم سميت به الحالة التي لاريث فيها ولاتعريج علي شيء من صاحبها‏,‏ فقيل‏:‏ خرج من فوره والمعني‏:(‏ ويأتوكم من ساعتهم هذه‏).‏

التعبير عن الماضي بصفة المضارع في قوله تعالي‏:(‏إذ تقول للمؤمنين‏)‏ ولم يقل‏:‏ إذ قلت للمؤمنين‏(‏ ألن يكفيكم؟‏!)‏ وكأنها تحدث أمامه زيادة في تصوير المعني ليتخيله السامع ويتدبره ويتأمله‏.‏ الاستفهام الإنكاري في قوله تعالي‏:(‏ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم؟‏!)‏ فهو استفهام إنكاري‏,‏ أريد به إنكار أن لايكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة‏,‏ وأنما جيء‏(‏ بلن الذي هو لتأكيد النفي إشعارا بأنهم كانوا لضعفهم وقلة عددهم مع كثرة عدد عدوهم وقوته كاليائسين من النصر‏.‏

Saturday, 9 July 2016

مقالات الأهرام: من البلاغة النبوية الأعمال التي يحبها الله

من البلاغة النبوية

الأعمال التي يحبها الله


بقلم : د‏.‏ حسن إسماعيل عبد الرازق
أنوار رمضان



42714‏السنة 127-العدد2003نوفمبر17‏23 من رمضان 1424 هـالأثنين


عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلا جاء إلي النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ يا رسول الله‏,‏ ما عمل الجنة؟ قال‏:‏ الصدق‏,‏ إذا صدق العبد بر‏,‏ وإذا بر آمن‏,‏ وإذا آمن دخل الجنة‏,‏ قال‏:‏ يارسول الله‏,‏ وما عمل النار؟ قال‏:‏ الكذب‏,‏ إذا كذب العبد فجر‏,‏ وإذا فجر كفر‏,‏ وإذا كفر دخل النار
هذا الحديث الشريف‏:‏من الاحاديث النبوية التي اجاب بها النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ بعض من جاءوا إليه يسألونه عن الاعمال التي يحبها الله تعالي فيؤجر صاحبها بدخول الجنة يوم القيامة‏,‏ وعن الأعمال التي يكرهها الله تعالي فيعاقب صاحبها بدخول النار وقد أجابه النبي بأن العمل الذي يدخل صاحبه الجنة هو‏:‏ الصدق لأن العبد إذا صدق فقد بر‏,‏ أي‏:‏ أطاع الله تعالي‏,‏ وإذا بر فقد آمن‏,‏ أي‏:‏ تأكد ايمانه بالله تعالي‏,‏ وإذا تأكد ايمانه بالله تعالي أدخله الله الجنة يوم القيامة‏,‏ كما اجابه النبي بأن العمل الذي يدخل النار هو‏:‏ الكذب‏,‏ لأن العبد إذا كذب فقد فجر‏,‏ أي فسق بمعني خرج عن أمر ربه‏,‏ وإذا فجر فقد كفر‏,‏ وإذا كفر دخل النار‏!‏ وفيه من اللطائف البلاغية مايلي‏:‏

‏1‏ـ اسلوب الحديث النبوي اسلوب خبري قائم علي الايجاز وتسلسل الأفكار‏,‏ والوصول بها الي الغرض المقصود من أقرب طريق‏,‏ والغرض منه هو‏:‏ الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب
‏2‏ ـ الايجازبالحذف في قوله‏:(‏ الصدق‏)‏ لأن المعني‏(‏عمل الجنة الصدق‏)‏ وفي قوله‏:(‏ الكذب‏)‏ لأن المعني‏:‏ عمل النارالكذب‏,‏ وذلك لأن الايجاز من مقتضيات حال هذا الرجل الذي جاء إلي النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ ليسأله عن أقصر الطرق للوصول إلي الجنة‏,‏ وعن أقصر الطرق للبعد عن النار‏,‏ فلم يكن من جلساء مجلس رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حتي يطيل له الموعظة‏,‏ وربما كان علي سفر‏!‏

‏3‏ـ وفي قول الصحابي‏:(‏ ماعمل الجنة؟‏)‏ وقوله‏(‏ وما عمل النار؟‏)‏ مجاز عقلي في اضافة العمل الي الجنة‏,‏ وفي اضافة العمل إلي النار‏,‏ لأن العمل للمسلم‏,‏ وليس للجنة ولا للنار‏,‏ لأنهما لايعملان فهما مجازان عقليان من إضافة السبب إلي المسبب مبالغة في أثر العمل في الوصول الي الجنة‏,‏ ومبالغة ـ ايضا ـ في أثر العمل في الوصول الي النار‏.‏
‏4‏ ـ التسلسل العقلي الذي يقنع السامعين في ترتيب الأحداث‏,‏ فالعمل الذي يؤدي إلي الجنة هو‏:‏ الصدق‏,‏ لأن العبد إذا صدق فقد أطاع الله تعالي‏,‏ وإذا اطاع الله تعالي فقد آمن‏,‏ وإذا آمن دخل الجنة‏,‏ والعمل الذي يؤدي إلي النار هو الكذب‏,‏ لأن العبد إذا كذب‏,‏ فقد فجر‏,‏ وإذا فجر فقد كفر‏,‏ وإذا كفر دخل النار‏.‏

‏5‏ـ وفي الحديث الشريف من الوان الحسن البديعي‏:‏ الطباق الذي يبرز المعاني ويوضحها‏,‏ كالطباق بين الصدق والكذب‏,‏ وبر وفجر‏,‏ وآمن وكفر‏,‏ والجنة والنار‏.‏




مقالات الأهرام: من لآليء التبيان في بلاغة القرآن لا يعلم الغيب إلا الله

من لآليء التبيان في بلاغة القرآن لا يعلم الغيب إلا الله

بقلم : د. ‏ حسن اسماعيل عبدالرازق

أنوار رمضان  

42346‏السنة 126-العدد2002نوفمبر14‏9 من رمضان 1423 هـالخميس

قال تعالي
وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر‏,‏ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبه في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏,‏ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقض أجل مسمي‏,‏ ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون‏(‏ الأنعام‏60,59)‏
علم الله تعالي محيط بجميع خلقه‏,‏ فهو عالم الغيب والشهادة‏,‏ وكل غيب لايعلمه إلا هو‏,‏ وكل موجود علي سطح الأرض أو في باطنها يعلمه‏,‏ سواء أكان في ظلمات البر أو في ظلمات البحر‏,‏ ولا يخفي عليه لأنه ثابت في علمه ومكتوب في اللوح المحفوظ‏,‏ وقد روي البخاري عن رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ أنه قال‏:(‏مفاتح الغيب خمس لايعلمها إلا الله‏:(‏ إن عنده علم الساعة‏)‏ وينزل الغيث‏,‏ ويعلم ما في الأرحام‏,‏ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وماتدري نفس بأي أرض تموت‏,‏ إن الله عليم خبير‏)‏

والآيتان الكريمتان تتحدثان عن علم الله المحيط بخلقه وفيهما من اللطائف البلاغية مايلي‏:‏ ــ
‏1‏ ــ أسلوب الآيتين أسلوب خبري غرضه البلاغي هو نصح المسلمين وإرشادهم‏,‏ وتوجيههم وتعليمهم وموعظتهم بأن علم الله تعالي محيط بكل شيء‏,‏ وأنه لاتخفي عليه أعمالهم سواء أكانت صغيرة أم كبيرة ليلا أو نهارا‏,‏ وأنهم سيرجعون إليه فيخبرهم بها ويحاسبهم عليها‏.‏

‏2‏ ــ القصر بالتقديم في‏(‏ وعنده مفاتح الغيب‏)‏ أي إنها عنده لاعند غيره‏.‏ والقصر بالنفي والاستثناء في‏:(‏ لايعلمها إلا هو‏)‏ وهو قصر حقيقي‏,‏ وفي‏:(‏ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها‏)‏ وفي‏:(‏ إلا في كتاب مبين‏)‏ وآثرهنا‏:(‏ إلا في كتاب مبين‏):(‏ إلا يعلمه‏)‏ ليشمل كل ماسبق من علم ما في البر والبحر من شجر أو حب‏,‏ أو رطب أو يابس‏.‏ وجاءت تلك التأكيدات بالقصر للاشارة إلي اختصاص الله تعالي بعلم كل شيء‏,‏ وأنه لايعزب عنه شيء‏,‏ في السماوات أو في الأرض‏,‏ وحتي يترك الغيب لله تعالي حتي لاتضل العقول‏.‏
‏3‏ ــ الاستعارة المكنية في‏(‏مفاتح الغيب‏)‏ حيث صور الغيب بمخازن مغلقة مفاتيحها عند الله تعالي تجسيدا للمعني حتي يكون واضحا جليا‏,‏ والاستعارة التمثيلية في‏(‏ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه‏..)‏

فقد استعار الوفاة والبعث للحساب للنوم ليلا واليقظة نهارا‏,‏ ليقرب للناس صورة الوفاة والبعث للحساب وأن صورتها متمثلة في النوم ليلا واليقظة نهارا‏,‏ لأن النوم هو الموتة الصغري‏,‏ فقد ورد‏:(‏ والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون‏),.‏ وإنما كان البعث‏(‏ أي اليقظة بعد النوم‏),‏ ليعيش الإنسان ولينقضي الأجل الذي حدده الله تعالي‏:,‏ ثم إذا انقضي أجله يرجع إلي الله تعالي فيحاسبه علي عمله في الدنيا‏.‏
‏4‏ ــ وإنما جاء العطف‏(‏ بثم‏)‏ في قولة‏:(‏ ثم يبعثكم‏)‏ وفي قوله‏(‏ ثم إليه مرجعكم‏)‏ وفي قوله‏:(‏ ثم ينبئكم‏)‏ للإشارة إلي المدة في النوم والحياة والوقوف بين يدي الله تعالي‏,‏ وذلك لدلالة‏(‏ ثم‏)‏ علي الترتيب والتراخي‏.‏

‏5‏ ــ وفي الآيتين من البديع الطباق بين البر والبحر‏,‏ وبين الليل والنهار‏,‏ وبين‏(‏ لايعلمها‏)‏ و‏(‏يعلم‏)‏ ليزداد المعني وضوحا‏,‏ وبضدها تتميز الأشياء‏!‏




http://www.ahram.org.eg/Archive/2002/11/14/RAMA5.HTM